محمد بن جرير الطبري
326
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
في عاجل الدنيا بحكم المسلمين : في حَقن الدماء والأموال ، والأمن على الذرية من السِّباء ، وفي المناكحة والموارثة - كمثل استضاءة الموقِد النار بالنارَ ، حتى إذا ارتفق بضيائها ، وأبصرَ ما حوله مُستضيئًا بنوره من الظلمة ، خَمدت النارُ وانطفأت ، ( 1 ) فذهب نورُه ، وعاد المستضيء به في ظلمة وَحيْرة . وذلك أن المنافق لم يزل مستضيئًا بضوء القول الذي دَافع عنه في حَياته القتلَ والسِّباءَ ، مع استبطانه ما كان مستوجبًا به القتلَ وسلبَ المال لو أظهره بلسانه - تُخيِّل إليه بذلك نفْسُه أنه بالله ورسوله والمؤمنين مستهزئ مخادعٌ ، حتى سوّلت له نفسُه - إذْ وَرَد على ربه في الآخرة - أنه ناج منه بمثل الذي نجا به في الدنيا من الكذب والنفاق . أوَ ما تسمع الله جل ثناؤه يقول إذْ نعتهم ، ثم أخبر خبرَهم عند ورودهم عليه : ( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) [ سورة المجادلة : 18 ] ، ظنًّا من القوم أن نجاتهم من عذاب الله في الآخرة ، في مثل الذي كان به نجاؤهم من القتل والسباء وسلب المال في الدنيا ( 2 ) : من الكذب والإفك ، وأنّ خداعهم نافعُهم هنالك نفعَه إياهم في الدنيا ، حتى عايَنوا من أمر الله ما أيقنوا به أنهم كانوا من ظنونهم في غرور وضلال ، واستهزاء بأنفسهم وخداع ، إذْ أطفأ الله نورَهم يوم القيامة ، فاستنظروا المؤمنين ليقتبسوا من نورهم فقيل لهم : ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا واصلوْا سَعيرًا . فذلك حينَ ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ، كما انطفأت نار المستوقِدِ النارَ بعد إضاءتها له ، فبقي في ظلمته حيران تائهًا ، يقول الله جل ثناؤه : ( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ
--> ( 1 ) في المخطوطة والمطبوعة : " حتى ارتفق بضيائها وأبصر ما حوله . . . حتى خمدت النار " ، وهي عبارة مختلة ، صوابها ما أثبتناه . ( 2 ) في المطبوعة : " كان به نجاتهم من القتل " ، وهما سواء في المعنى .